يضع موقع فيلومغرب بين أيدي قرائه من تلاميذ السنة الثانية بكالوريا هذا الموضوع، في إطار سعيه إلى تقريب الممارسة الفلسفية من سياقها الامتحاني الواقعي، وذلك من خلال تقديم جواب فلسفي أنجزه أحد المترشحين لامتحان البكالوريا خلال الموسم الدراسي 2024–2025. ويهدف هذا النشر إلى إبراز كيفية الاشتغال على الإشكال الفلسفي، وبناء المقدمة، وتدرج الأفكار، وتوظيف المفاهيم والحجج داخل نسق إنشائي منسجم. كما يعكس هذا الموضوع مدى قدرة المتعلم على الاستفادة من دروس باقي المواد الأخرى، والاستعانة بها من أجل تطعيم بنائه الإنشائي، بما يكشف عن الامتدادات القائمة بين الفلسفة والمواد العلمية.
ويجدر التنبيه إلى أن هذا العمل لا يمثل نموذجا مثاليا أو جوابا أستاذيا، بل هو إنجاز تلميذي خالص، وهو ما يمنحه قيمته البيداغوجية والفكرية، باعتباره يعكس مستوى حقيقيا يمكن بلوغه داخل شروط الامتحان وزمنه وضوابطه.
وقد ورد موضوع الامتحان في دورته العادية، وبخاصة الموضوع الأول، على الصيغة التالية:
بِمَ تكتسب النظرية طابعها العلمي؟
جاء الجواب على النحو الآتي (ننقله بأمانة دون تدخل):
"حاول الإنسان، منذ القديم، أن يتعرف على البيئة المحيطة به، ويكشف عن أسرارها، وعن طبيعة القوى الموجِّهة لها. فالإنسان، منذ وجد في هذا الكون، وهو محب للاستطلاع، راغب في الفهم، لا يستطيع أن يعيش وسط الظواهر والأشياء دون أن يكون لنفسه أفكارا عنها تمكّنه من تحديد سلوكه تجاهها، وموقفه منها، وقد ترتّب عن ذلك زيادة حصيلة الإنسان من الأفكار والمعارف، وتنامى فهمه للعديد من الظواهر المحيطة به...
وتتضمّن المعرفة البشرية أنماطا عدّة، نذكر منها المعرفة العلمية، باعتبارها معرفة حديثة ارتبطت زمنيا بلحظة ميلاد العلم بمعناه الإبستيمولوجي الحديث، انطلاقا من مفهومي النظرية والتجربة. ففي لحظة ميلاد المعرفة العلمية شكّلت التجربة أداة أساسية للتحقّق من صحة النظريات العلمية، إلا أن التغيّر الشديد الذي طال العلم أدّى إلى بروز معايير أخرى لا تتوقّف، بالضرورة، على التجربة، بل على العقل الرياضي القائم على الانسجام المنطقي، مما دفع بالفلاسفة والعلماء إلى إعادة النظر في معايير علمية النظريات العلمية، الشيء الذي يضعنا في صلب إشكال السؤال قيد تحليلنا ومناقشتنا، ونُعبِّر عنه بطرح التساؤلات التالية:
ما النظرية؟ ما الطابع العلمي؟ ما معيار صدق وصلاحية النظريات العلمية؟ هل يكمن في قابليتها للتحقق التجريبي أم في تماسكها وانسجامها المنطقي؟ وهل تكسب نظرية ما قيمتها من إطلاقتيها، أم من قابليتها للتزييف والتكذيب؟
إن السؤال الذي نحن بصدد تحليله ومناقشته ليس سؤالا عاديا، بل إنه سؤال فلسفي يفتحنا على إجابات متعددة، ويبدو من خلال أداة الاستفهام "بِمَ" التي ورد بها أن الغرض منه إدراك معيار علمية نظرية ما، حيث تشير النظرية إلى بناء عقلي ذي طابع فرضي تركيبي، يربط مجموعة من القوانين بعضها ببعض، ويردّها إلى مبدأ واحد يمكن أن نستنتج منه لزوما أحكاما وقواعد تمكننا من تفسير عدد كبير من الظواهر. إنها، كما عرفها معجم "روبير": "إنشاء تأملي للعقل يربط نتائج عديدة".، أما المعيار، فيدل على القاعدة الفكرية التي تمكننا من التمييز بين الصحيح والخطأ، والخاصية التي يتوفر عليها الشيء، والتي تمكننا من إصدار حكم عليه. هكذا، فإن معيار علمية النظرية هو الإشارة أو الدليل الذي يسمح لها بالانتساب إلى العلم، باعتباره تفسيرا منطقيا للظواهر يوظف مفاهيم وسببيات تندرج في إطار قوانين ذات طابع تنبؤي، ويتميز من باقي أشكال المعرفة باعتماده على منهج منظم ودقيق، يمكن أن يكون استقرائيا تجريبيا أو استنباطيا عقليا، كما يتسم بالدقة في صياغة مفاهيمه وفرضياته وتعميماته... وبالتالي، فإن النظرية لا تكون علمية إلا إذا توفرت على معيار يثبت صحتها، سواء كان عقليا أو تجريبيا.
من خلال شرح دلالات هذه المفاهيم، تتضح لنا أطروحة مفترضة مؤداها أن التحقق التجريبي هو ما يكسب النظرية طابعها العلمي، ذلك أن النظرية لا تعتبر علمية إلا إذا كانت قابلة للتحقق على مستوى الواقع. فالتجربة تعتبر هي الوسيلة والخطوة المنهجية التي تمكن العالم من التأكد من نظريته، وذلك عبر عزل الظاهرة وتكرارها بشكل موضوعي، مما يخرجها من عزلتها ويربطها بنظريات أخرى. هكذا، فإن النظرية تستمد قوتها وصلاحيتها من قابليتها للتحقق بواسطة التجربة.
يبدو أن لهذه الأطروحة المقترحة ما يدعمها من حجج، فالنظرية ليست مجرد بناء عقلي وتركيب منطقي، بل إنها تستمد مشروعيتها من قدرتها على التحقق على مستوى الواقع، فالنظرية لا تكتسي قيمتها من خلال اتساقها الداخلي فقط، بل من مطابقتها للواقع التجريبي. ويكاد تاريخ العلم يعجُّ بالأمثلة الدالة على ذلك، نذكر منها إشكال طبيعة الضوء: هل هو موجة أم جسيم؟ في البداية، كان الاعتقاد السائد هو أن الضوء عبارة عن جسيمات تنبعث من الأجسام، ثم جاء من يرجع الطرح الموجي، خاصة بعد ملاحظة ظواهر الحيود والتداخل، إلا أن الأمر لم يحسم بشكل تام إلا بعدما وُظِّفت التجربة في منتصف القرن التاسع عشر، خاصة مع تجربة ليون فوكو التي قارنت سرعة انتشار الضوء في الماء والهواء، ولاحظ أن الضوء يتباطأ في الماء، مما يتناقض مع التصور الجسيمي. ثم جاءت تجربة المفعول الكهروضوئي، والتي أعادت الاعتبار للطرح الجسيمي، ففهم الضوء بكونه يملك طبيعة مزدوجة.
ما يهم هنا ليس هو التجربة فقط على كونها كانت الفيصل للتمييز بين مجرد حدوس ونظرية علمية، إن التجربة هي الأرضية التي يقوم عليها الدليل، والتي تثبت أو تنفي صحة نظرية ما.
تكمن قيمة وأهمية هذه الأطروحة في كونها تعلي من شأن التجربة، باعتبارها الأداة التي خلصت العقل من شراك الأوهام، وقطعت مع أنماط التفكير التأملية واللاهوتية. كما أن النظرية يجب أن تعبّر عن الواقع، وإلا فستغدو مجرد تأملات ميتافيزيقية؛ فقيمة التجربة تكمن في قدرتها على تمكين الإنسان من فهم أسرار الطبيعة، وبالتالي إحكام قبضته عليها وتسخير مواردها لخدمة مصالحه. في هذا السياق، يرى بيير دوهم أن التحقق التجريبي هو معيار علمية النظريات، حيث يقول: "إن التوافق مع التجربة يشكل بالنسبة للنظرية المعيار الوحيد للحقيقة". فالنظرية، حسبه، هي نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ الهادفة إلى صياغة القوانين التجريبية بأكثر ما يمكن من الشمول والبساطة والدقة. وبالرغم من الصياغة الرياضية للنظرية، إلا أنها يجب أن تكون مطابقة للقوانين التجريبية التي تمثلها، فغاية النظرية ليست تفسير الواقع، وإنما التعبير الوصفي لمجموعة من القوانين المحصل عليها تجريبيًا، ومن هنا استقلال النظرية عن كل وصاية ميتافيزيقية.
إلا أن التفكير مع هذه الأطروحة لا يمنعنا من التفكير ضدها، فالتجربة تعتمد بشكل كبير على الحواس التي تكون خداعة في الكثير من الأحيان، فالعصا المستقيمة تبدو منكسرة في الماء، والشمس تبدو بحجم الدينار، كما أن الإنسان عاجز عن رؤية جميع الموجات الصوتية وسماع جميع ترددات الأصوات. هكذا، فإن هناك بعض القضايا التي ليست قابلة للتحقق بواسطة التجربة، وفي هذه الحالات يبرز دور العقل في التمييز بين النظريات الصحيحة والخاطئة، استنادا إلى مبدأ عدم التناقض، فالنتائج تكون دائما مساوية لمقدماتها أو أصغر منها، وبالتالي فلا بد أن تصدق النتائج إذا صدقت المقدمات.
ومن هذا السياق يحضرنا مثال قوانين كيبلر للحركة، حيث قدم تصورات لحركة الكواكب يفترض أن المدارات إهليلجية وليست دائرية كما كان الاعتقاد سابقا، في تلك الفترة لم يكن هناك تلسكوب يمكنه من إثبات هذا التفصيل. إلا أن البناء الرياضي للنظرية، واتساقها الداخلي، وقدرتها على التنبؤ بحركة الكواكب بدقة غير معهودة، جعلها نموذجًا علميًا متماسكًا قبل أن يأتي التحقق البصري لاحقًا.
وفي هذا الإطار، يرى أينشتاين أن العقل وحده كاف للتأكد من صحة نظرية ما، خاصة عندما يستعصي ربطها بالتحقق التجريبي، ولذلك ينبغي النظر إلى البنية الداخلية للنظرية من أجل إبراز الترابط بين المقدمات والنتائج، فالنظرية تكون دائما صحيحة ما دام أن الأساس الذي بنيت عليه قد اعتمد فيه على آليات الاستنباط المنطقي. وبالتالي، فإن التماسك المنطقي والترابط الداخلي للنظرية كفيلان بإثبات صحتها وصلاحيتها.
ولكن، هل تحقق النظرية تجريبيا أو تماسكها الداخلي هما المعياران الوحيدان اللذان يمكننا من التحقق من نظرية ما ووصفها بالعلمية؟ أليس هناك محدد آخر ينبغي أن نعتمده للفصل بين ما هو علمي وما ليس علميًا؟
بلى، إنه معيار القابلية للتكذيب، فالنظرية لا تعتبر علمية إلا إذا كان بالإمكان دحضها، ولعل خير مثال على ذلك هو القول: "كل البجع أبيض"، فنحن نرى آلاف البجع الأبيض، إلا أن ظهور بجعة سوداء واحدة كاف لهدم هذا الفرض بأكمله. كما أن النظرية شبيهة بالآلة الميكانيكية، ما لم يكن بالإمكان تفكيكها والنظر إلى مفاصلها ومكامن الخلل فيها، فإنها لا تعتبر مفيدة. بنفس المنطق، فإن النظرية لا تكون علمية إلا إذا وضعت نفسها موضع الشك، وقبلت بالسقوط إن كانت هناك وقائع تكذبها، فقدر العلم هو التجاوز. وهذا كارل بوبر يعتبر أن الطابع التركيبي للنظرية يجعل من المستحيل التحقق منها بواسطة التجربة فقط، ويقترح مبدأ التكذيب أو القابلية للتزييف، فما يجعل نظرية ما علمية، حسبه، ليس فقط قابليتها للتحقق التجريبي، بل قابليتها من حيث المبدأ للتكذيب، أي أن تتضمن في منطوقها إمكانية البحث عن وقائع تكذبها. ويقول بهذا الصدد: "إن قابلية التزييف أو التكذيب، وليس قابلية تحقق النسق، هي التي ينبغي أن تتخذ معيارا للفصل بين ما هو علمي وما ليس علميا".
تأسيسا على ما تقدم، يبدو أن القراءات الفلسفية والإبستمولوجية لتاريخ العلم فسحت المجال أمام حقول معرفية عديدة لإعادة النظر في مناهجها وآليات اشتغالها. ولا شك أن التغيير والتعديل الشديدين اللذين طالا العلم قد طرحا أسئلة بخصوص معايير علمية النظريات العلمية، حيث انقسمت آراء الفلاسفة بين مؤيد للتجربة، ومنتصر للعقل، وآخر مؤكد على مبدأ القابلية للتزييف. ويبدو لي أنه يصعب التحقق من صحة نظرية ما بواسطة التجربة وحدها أو العقل وحده، بل يجب الجمع بينهما. فالعالم لا يجب أن يكون مثل النمل، لا يقوم سوى بمراكمة المواد التي يتم استهلاكها فيما بعد، ولا مثل العنكبوت التي تبني شبكتها من مادة مستخرجة من ذاتها، وإنما يجب أن يتشبه بالنحل، فيقوم باستخراج المادة الأولية من الطبيعة، ثم يتصورها ويمثلها بطريقة خاصة. هذا علاوة على كون العلم يتسم بالتقدم والتجاوز، فهو لا يتطور بالتحصين وادعاء النظرية للعصمة، بل بالشك والتساؤل والنقد. ويبقى السؤال الذي يتبادر إلى الذهن على هامش هذا الموضوع: هل يمكن بناء معرفة دقيقة حول الظواهر الإنسانية، مثلما هو الحال بالنسبة للظواهر الطبيعية؟
