 |
| النظرية والتجربة |
النظرية والتجربة
بقلم الأستاذ: بدر الدين آيت بباعزيز
مقدمة:
يحيل مفهومي النظرية والتجربة إلى الفاعلية الإنسانية في مستواها النظري والعملي ،باعتبارها مجموعة من المعارف والأدوات التي توظف بهدف التدخل في المحيط الطبيعي وإدراك العلاقات السببية بين الظواهر، وتأخذ التجربة في ميدان العلم دلالة خاصة، إنها موجهة بأسئلة مؤطرة بفروض نظرية،التي تفرض على العالم الإلمام بسلسلة من الشروط والمبادئ المنهجية والنظرية، وتعتبر التجربة بمثابة خطاطة نظرية مثلى ادا اشتغل العالم بمقتضاها، فانه يصل إلى معرفة القوانين والقواعد التي تحكم الظواهر الطبيعية. ولقد تجاوزت الفيزياء المعاصرة التصور الكلاسيكي للخطوات المنهج التجريبي، وأدمجت الخيال باعتباره إبداعا للعقل البشري، مما يجعل من العقلانية العلمية عقلانية مبدعة تنتج وتبتكر بردكماتها من نموذج العقل الرياضي.
إن العقلانية العلمية بهدا المفهوم عقلانية مبدعة متجاوزة النزعة الاختبارية والعقلانية المغلقة إنها عقلانية فلسفية مطبقة من خلال العلاقة الجدلية بين العقل والواقع، ويعطي تعدد الاختبارات المتكررة تماسك منطقي داخلي للنظرية ومعيار علميتها، إضافة إلى قابلية منطوقها وبنائها النظري للتفنيد أو للتكذيب، إضافة إلى أن تكون معرضة للخطأ والتكذيب خاصة أن المعرفة العلمية خطأ تم تصحيحه حسب بشلار.وقبل الدخول في معالجة إشكال على حدى نظن أنه من الناحية المنهجية من الضروري تحديد مفهوم النظرية.
تحديد المفهوم:
النظرية: تعد النظريات العلمية التتويج النهائي للمنهج العلمي. فكل ما يهدف إليه المنهج العلمي نجده دوما في النظرية العلمية, إنها تنظيم الوقائع والمفاهيم والفرضيات والقوانين في سياق واحد ملتئم, بل إن وجودها متضمن بصورة أو بأخرى في كل واحدة منها (...) إنها الإطار الفكري الصريح الذي يربط بين هذه العناصر ولا يصرح به إلا بعد تحققه بالشواهد التجريبية, غير أنها تظل فرضا واسعا حتى وإن لم يتح لها هذا التحقق. وبحكم اشتقاقها من اليونانية (theoria) فهي تعني التأمل، فكيف نحدد النظرية؟
في معجم لالاند Lalande يعطي للنظرية بعدا فلسفيا يقترب كثيرا من الدلالة المعجمية بالفرنسية. ونستخلص من ذلك أن النظرية تتعارض مع الممارسة، وتتقابل مع المعرفة العامية لأن هذه الأخيرة معرفة إمبريقية (نابعة من التجربة اليومية). وتتعارض أيضا مع المعرفة اليقينية، لأن النظرية بناء فرضي استنتاجي. وتتعارض أخيرا مع المعرفة الجزئية، لأن النظرية بناء شمولي.
النظرية تحيل إلى العقل، التجربة تحيل إلى الواقع، ارتبطت بأحكام التسامي والتعالي والتجاوز والابتعاد عن الواقع،ومن زاوية أخرى نقول إن النظرية بناء فكري يربط منطلقات بنتائج. فالنظرية العلمية تبنى وتشيد على مجموعة من الفرضيات التي توجه بدورها التجربة العلمية، فالفعل البشري مهما بلغت درجة بساطته يحتاج إلى تصور فكري يواكبه وأحيانا يسبقه ليحدد أجزاء هذا الفعل وترتيبها وغايتها، بحيث لاغنى للممارسة عن النظرية، فهذا ابن رشد يربط النظر بمفهوم الاعتبار. ولما كان الاعتبار – في نظر ابن رشد – هو القياس، فإن النظر العقلي هو أفضل أنواع البرهان لأنه يتم بأفضل أنواع القياس. " النظرية هي نسق من البادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة،ويتضمن هدا النسق بناء منطقيا له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي،يسمح للعالم بالانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم" اذا كان هذا التحديد المقترح للمفهوم النظرية فهل يمكن تحديد التجربة؟
التجربة: هي المعطى الأول الذي تشتق منه النظرية لاحقا. إنها نقطة التقاء الواقع بالفكر. يقول "أولمو": "التجربة نظرية أنزلت إلى الفعل, والأداة أيضا نظرية أضفيت عليها الصبغة الموضوعية" إنها مجموع المعارف الخبرات التي يكونها الإنسان في علاقته المباشرة بالواقع، القيام بإعادة أحدات ظاهرة ما وفق شروط محددة، الوسيلة التي يلجأ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المحركة للظواهر، ولكن إذا كان التقابل المركزي المكون لإشكالية النظرية على ما يبدو هو التقابل نظرية/ ممارسة، تجربة، واقع.. فإن هذا التقابل لا يأخذ كامل معناه وغناه الإشكالي إلا ضمن مجال خاص وهو المجال العلمي. وعليه لابد -بداية- من تحديد بعض دلالات النظرية العلمية وكذا المنهج التجريبي المعتمد إلى حد بعيد ضمن الممارسة العلمي
الحديث عن النظرية والتجربة حديث عن وقائع وملاحظات وتجارب ومفاهيم وفرضيات وقوانين وتجريد ذهنيا... وتكمن أهمية النظرية العلمية في كونها الخيط الناظم لكل هذه العناصر. وهذه الأهمية تفسر حدة الجدل الإبستملوجي حول وظائف النظرية وعلاقتها بالواقع وآليات إفرازها ومعايير صلاحيتها. وهو جدل يمكن النظر إليه كصورة جديدة للجدل الفلسفي. إن التداخل بين النظرية والتجربة يطرح عدة إشكالات من قبيل:
هل يعتبر الحديث عن دور التجربة في المعرفة تهميش النظرية(العقل)؟ ألا يعتبر العقل أساسيا في أجرأة التجربة إلى نظرية علمية موضوعية؟ وما هي المشكلات التي تطرحها النظرية مع التجربة؟
لكن قبل الدخول في معالجة منهجية لمختلف هده الإشكالات ، نظن أنه من المنهجي محاولة رصد مسار المفهوم خاصة مفهومي التجريب والتجربة، فكيف يمكن تحديد كل مفهوم؟ وما علاقة التجربة بالتجريب؟
1- التجربة والتجريب:
لقد توصل الإنسان إلى معرفة الواقع عبر منهج علمي محدد معتمدا على التجربة،أما المنهج التجريبي فيقصد به مجموع الخطوات المتبعة في الممارسة العلمية, وهو ما يسمى" بالمنهج التجريبي" كما حدده كلود برنارد:
- الملاحظة: وتمثل اللقاء الأول للعالم بموضوع دراسته, بحيث يتعرف على الظاهرة ويحصر أبعادها ومكوناتها وخصائصها التي تهمه. وقد تكون هذه الملاحظة مجردة أو مجهزة باستعمال أدوات تعتبر امتدادا للحواس.
- صياغة الفرضية: إنها مقترح لتفسير الظاهرة وإقامة علاقات بين عناصرها ومتغيراتها.
- التجريب: هو ملاحظة ثانية أو عودة إلى الظاهرة بهدف فحص الفرضية المقترحة. وغالبا ما يلجأ العالم إلى وضع ظاهرته ضمن شروط خاصة أو إضافة أو حذف عناصر منها أو تعديل موقعها ومقاديرها ليتسنى له التأكد من صحة العوامل التفسيرية المقترحة.
- الاستنتاج أو صياغة القانون: في حالة التحقق الإيجابي من الفرضية, تصبح قانون علميا قابلا للتعميم. أما في حالة التحقق السلبي، فيتعين إعادة النظر في الفرضية أو في الشروط التجريبية لذلك فالتجربة هي التي تعطي لكل معرفة علميتها، لأن إلى جانبها المعرفة العامية التي تكتسب من دون أدنى تجربة وهي معرفة جزئية، فالإنسان العادي يرى كسوف الشمس مثلا لكن لا يكون برؤيته عالما فلكيا لأنه لا يدرك جزئية معزولة عن سائر الحقائق الفلكية، وفي هدا الصدد يقول برتراند راسل "يبدأ العلم بدراسة الحقائق الجزئية لا تكون بذاتها علما، لأن العلم إلا ادا اكتشفنا عن القوانين العامة التي تكون هده الجزئيات تطبيقيا،فأهمية الحقائق الجزئية إنها مثل يدلنا على قانون من قوانين الطبيعة"، وهذا ما يبرز انفصال التجربة عن التجربة الحسية العامية عن التجربة العلمية، التي إجراءات منهجية يقوم بها العالم بطريقة ناجعة وهذا هو غاية وهدف المنهج التجريبي حسب كلود برنار الذي يؤكد على كون العالم التجريبي يجمع بين مقتضيات الملاحظة العلمية ومبادئ التجربة التي تؤكدها فروضها القابلة للتحقق،ادن فالعلم التجريبي يبني قوانينه تبعا لخطوات منهجية ونظرية ضرورية.
المنهج التجريبي الرصين يتأسس على ثلاث مراحل رئيسية وهي: الملا حظة والفرضية والتجربة، والعالم دائما في اختبار ملاحظته أمام فرضين متقابلين يكون أحدهما هو المفسر للظاهرة المدروسة، والواقع يثبت صحة الفكرة المدروسة يقول كلود برنار" الحادث يوحي بالفكرة ،والفكرة تقود إلى التجربة،والتجربة تختبر الفكرة" وهذا ما تفصح عنه التجربة التي تؤكد دائما على إجرائية وصدق فرضية في مقابل دحض فرضية ثانية، لكن هذا إقصاء فرض على حساب أخر يفترض دائما اليقين في أخطاء؟ وهل تأكيد التجربة على حقيقة يقينية يؤكد صلاحيتها في كل زمان ومكان؟
يجب أن نؤكد مسألة في غاية الأهمية أنه ليست مهمة التجربة دائما هو التأكد من وجود قانون الزمان والمكان وشروطه لا تسمح لنا دائما بتكرار الظاهرة المدروسة، خاصة أن سرعة وبطئ بعض الظواهر يضطرنا حسب روني طوم إلى اللجوء إلى عنصر الخيال باعتباره أساسيا في عملية التجربة ويمكن إدماجه في عملياتها الأساس، بات الخيال هو تجربة ذهنية تمنح الواقع غنى لايمكن الوصول إليه بالتجربة بمعناها الكلاسيكي، وهو الذي لا يشكل المقوم الرئيس لهدا المنهج العلمي المعاصر. خاصة اذا علمنا أن حيثيات التجربة وشروطها ليست دائما ممكنة فاللجوء إلى "التجربة الذهنية الخيالية" أمرا ممكنا وضروريا خصوصا عندما يشتغل العالم على موضوعات خارج الماكروسكوبية (من الصعوبة مثلا ملاحظة حركة الالكترونات والبروتونات في الذرة) وهذا ما يمنح للتجربة الخيالية قوة اقتراحية في بعض الأحيان وإجرائية في بعض المجالات، مما يطرح العديد من الإشكالات على نظرية المعرفة التقليدية التي ترى التجربة بمعناها الضيق مصدرا لجميع المعارف، لذلك فالتجربة الخيالية تظل نافدة ثالثة نستطيع من خلالها أن نميط اللثام عن خبايا العلاقات الجدلية بين العلمي واللاعلمي.
إن ما شهدته التطورات التي عرفتها الفيزياء المعاصرة، هو أن العلم قد انتهى إلى خرق الحدود وتكسير الأطر التي وضعها العلماء والفلاسفة الكلاسيكيون خاصة ما يتعلق بالموضوع العلمي و"الظاهرة العلمية" والمنهج التجريبي، مما طرح إشكالية العلاقة بين ما هو عقلي وما هو تجريبي، فما علاقة العقل بالتجربة؟ هل العقل عنصر فاعل في التجربة أم أنه عنصر محايث؟ وهل يتطور كما تتطور التجارب والمعارف العلمية؟
2- العقل والعقلانية:
ما نعنيه بالعقلانية العلمية هي تلك العقلانية التي أنتج من خلالها العلماء علومهم المختلفة. وهي بصيغة أُخرى المسؤولة عن إنتاج المعرفة العلمية. وهناك معنى ثانٍ للعقلانية العلمية، حيث تستخدم للإشارة إلى نظام فلسفي معين أقيم تحت تأثير العلم، مثل فلسفة راسل أو الوضعية المنطقية أو الماركسية، فكل واحد من هؤلاء يعتقد أنّ فلسفته هي العقلانية العلمية فقط.
وإذا بحثنا عن العوامل المشتركة بين أصحاب العقلانيات العلمية المختلفة من أجل الوصول إلى الحد الأدنى الذي يتفقون حوله. وقد توصلنا إلى مبادئ ستة موجهة .
- مبدأ مصادر المعرفة الأربعة.
- مبدأ حصر النشاط الميتافيزيقي على العقل.
- مبدأ ضرورة الموضوعية في المعرفة (التفسير السببي)
- مبدأ الفصل بين عالم السماء وعالم الإنسان .
- مبدأ الفصل بين الأنساق الثلاثة .
- مبدأ الالتزام بالروح العلمية .
إن العقلانيات العلمية -تتبنى إلى حد ما- المبادئ الستة بوصفها تشكل نقطة انطلاقها ، ثم هي تختلف فيما بعد ذلك. وجاءت هذه الفلسفات تحت تأثير وتطور العلم الوضعي في أوروبا منذ عصر النهضة.
فالعقل ضد الطبع أي التصرف غير العشوائي رغبة إلى عقل الوجود وعقلتنه من المادي إلى المقدس، ومن الحسي إلى المتعال، ومن الواقعي إلى الماورائي. وفي اللغة اليونانية العقل هو اللوغوس أو القانون والنظام والمبدأ الكلي، العقل إذا هو قول الاصابة في الحكم وتميز الحق عن الباطل والعقلانية بالتالي هي أن يطبق الفكر تطبيقا حسنا، وقد أكد صاحب كتابي "نقد العقل الخالص"و"نقد العقل العلمي" إيمانويل كانط على الارتباط الوثيق بين معطيات التجربة من جهة، وأحكام العقل الكونية من جهة ثانية. ويعطي مثال على هذه العلاقة من خلال أن ارتفاع الحرارة مثلا هو سبب انتشار الأمراض المعدية، فالعقل هنا باعتباره ملكة الحكم يصدر حكما لا وجود له في التجربة، اذ السببية مقولة من مقولات الفهم. وهذا ما يفسر بناء العقل لتجاربنا في الكثير من الظواهر لكن هذا لا ينفي عدم قدرة العقل على الاشتغال من دون معطيات التجربة.
إن تقديم فهم وتأويل جديد للعمل العلمي ولعلاقة العقل باعتباره نشاط بالتجربة وبالواقع ضرورة فلسفية يمليها منطق التغيرات الجذرية التي عرفتها الفيزياء المعاصرة خصوصا والتي غاصت أكثر فأكثر في المستوى الميكروسكوبي للمادة (الفيزياء الكوانطية ثم النسبية)، لدرجة أن غاستون باشلار يصف نتائج الميكروفيزياء بأنها أخبار قادمة من عالم مجهول مكتوب بلغة هيروغليفية تصعب ترجمتها إلى مستوى عاداتنا في التحليل والتصور. وبعبارة أخرى، أصبحت التجربة مبنى عقليا وليس معطى حسيا مباشرا، فكل تجربة علمية كانت أو حسية مشروطة بأحكام العقل، خاصة أنه لا وجود لعقل معزول، لأن قيمته تبنى وتؤسس بنائيا من خلال إجرائيته داخل التجربة، لكن هل يمكن تحديد مهمة العقل في تنظيم وإضفاء صبغة العقلانية على التجربة؟
شهدت بداية القرن العشرين انقلابا فيزيائيا خطيرا، دشنته نظرية من أغرب النظريات العلمية المعاصرة وأكترها معادة للبداهات، وثورة على الأفكار والمفاهيم المتداولة، وهي النظرية النسبية إذ اعتبرت المفاهيم والمبادئ التي يتكون منها النسق النظري للعلم (الفيزياء)هي إبداعات حرة للعقل الرياضي وتشكل الجزء الأساسي من النظرية العلمية. وهدا ما جعل العقلية العلمية المعاصرة تكسر لأطر العقلانية الكلاسيكية والتي سماها بشلار
"بالعقلانية الديكارتية" والتي كانت تقوم بالأساس على مفاهيم: "البساطة" و"البداهة" و"الوضوح" وهذا ما يخالف الممارسة العلمية المعقدة في الفيزياء المعاصرة، حيث تم تجاوز القواعد العقلية للمذهب الآلي في نظر علماء القرن 19 والتي كان يعتقد أنها قواعد ثابتة لا تتزعزع... بل إن العقل يتطور بتطور التجربة، إضافة إلى كون هذه الأخيرة لم تعد كما تصورتها النزعات التجريبية الصرفة، تتحكم في مسارات البناء العقلي والنظري للمعرفة العلمية، و إنما البحث العقلي والنظري في نظام هذه التجربة هو ما يبرر اليوم التدخل نظريا وتطبيقيا، وهذا ما دفع اينشتاين إلى الدفاع عن كون العقلانية المعاصرة تستند إلى نشاط حر للعقل الرياضي الذي يبدع المفاهيم والمبادئ المكونة للأنساق النظرية للعلم، ولعل هدا ما دفع غاستون بشلار إلى إبراز أن تطور العقلانية العلمية لا يتم بطرح أسئلة من قبيل "لم لا تكون الظاهرة على نحو مخالف لما يظهر، وما هو مألوف؟" لذلك يؤكد غاستون باشلار على كون عمل العلم الحديث لايمكن إدراك قيمته المعرفية والفلسفية إلا في ضوء علاقة جدلية بين العقل والتجربة،وبين العقل والواقع، إننا يمكن اعتبار العقلانية المعاصرة بمثابة عقلانية فلسفية مطبقة تؤسس على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي ويجعله مشروطا بحوار جدلي بين ما هو عقلي وما هو واقعي، وهدا ما عبر عنه غاستون باشلار في حديثيه عن "المدينة العلمية"التي تتميز بالتعقد والتشعب وضخامة الأجهزة العلمية ،ودقة الأدوات التكنولوجية،ثم تكامل جهود العلماء في انجاز عمل عملي ما.
اذا كانت الابستمولوجيات المعاصرة تؤكد على كون العقل موجه للنشاط التجريبي ويجعله في حوار جدلي بين ما هو عقلي وواقعي، فهل يمكن الحديث عن معايير أو قواعد معينة لعلمية النظريات؟
3- معايير علمية النظرية:
تعتبر النزعة التجريبية أن التجربة العلمية هي منبع النظرية ومحك الحكم على صدقها، لذلك فعلى كل راغب لصياغة نظرية أن ينصت للتجربة ويكتب إملاءاتها كما ينصحه كلود برنارد في كتابه: "مدخل لدراسة الطب التجريبي". ينبغي قبل كل شيء استعمال منهج اختباري تحليلي، فالعالم لا ينتج نظريته استنباطيا بل استقرائيا أي عبر اشتقاقها من تجارب تستخلص منها على نحو ايجابي ومباشر..."المذهب الوضعي أو التجريبي يعتبر عناصر التفسير العلمي أو النظرية مستمدة بكاملها من التجربة على اعتبار أن الوصف والتركيب هو وظيفتها الأساسية، وأنها لا تعدو أن تكون استنساخا للوقائع والربط فيما بينها وتنسيقها تنسيقا لا يتعدى المستوى التحليلي الضيق. وإذا حاولنا البحث عن أصول الأطروحة يمكن إرجاعها إلى أعمال "غاليلي" الفيزيائية، وهذا استمر مع نظرية "نيوتن" في الجاذبية... حيث شكل نموذج العلمية في العلوم الفيزيائية معيار الحكم على نظرية علمية ما، سواء في مجال علوم الطبيعة أو في مجال العلوم الإنسانية، وهذا ما أكده "اينشتاين " بقوله: "أن قوانين الطبيعة تظل هي هي لا تتغير، في كل نسق فيزيائي متحرك، أو في حالة ما إذا انتقلنا من نسق متحرك إلى نسق متحرك أخر".
في هذه العبارة الوجيزة يكمن جوهر خصوصية النظرية الفزيائية، باعتبارها نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ، وغايتها أن تمثل وبصورة دقيقة مجموعة من القوانين التجريبية، إن التأكيد على أن جميع النظريات وقوانينها، هي هي، لا تتغير، وتخضع لمعيار التجربة ذو مدلول فلسفي هام . يتمثل في أن العلم المعاصر تبقى معيار علميته في مدى التماسك والانسجام المنطقي بين مكوناتها، وهذا لن يتأتى إلا بإخضاع فروضها لاختبارات متعددة تربط فروض نظرية ما بفروض نظرية أخرى، وهذا ما يدافع عنه بيير تويليي، الذي يؤكد على أن معيار تحقق النظرية وعلميتها يتجلى في تعدد الاختبارات وتكاملها، إن الذي يضفي على نظرية ما علميتها وقوتها الاقتراحية هو تلك الفروض الإضافية والاختبارات المتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها وتربطا بنظريات أخرى.
وفي سياق ثاني يطر ح في كتابه "أسطورة الإطار" معتبرا أن تاريخ العلوم تاريخ صراع بين نظريات يحكمه معيار يفصل ما هو علمي في النظرية عما هو غير علمي، بل يعتبر النظرية العلمية التي تحمل في طياتها احتمالات ممكنة تفند بها ذاتها وتبرز آليات وشروط ضعفها، وتخضع بصفة قبلية ومستمرة فروضها لمعيار القابلية للتفنيد والتكذيب.
وهنا يؤكد كارل بوبر أن التشبث بمعيار العلمية كمبدأ ابستملوجي،لا يعني فرض نموذج نمطي على علمية مفترضة،وهدا لا يعني كذلك فرض حقيقة نهائية ومطلقة حتى ولو كانت تدعي العلمية،مما يفسر إلحاح كارل بوبر على مبدأ قابلية منطوق النظرية للتكذيب أو التفنيد ، فعلى النظرية أن تتضمن منطقوها وبنائها إمكانية البحث عن وقائع أو تجارب تكذبها، حتى تضمن لنفسها مساحة من العلمية.
إن النظرية بناء فكري يربط منطلقات بنتائج، فالنظرية العلمية تبنى وتشيد على مجموعة من الفرضيات التي توجه بدورها التجربة العلمية، وتجدر الإشارة إلى أن النظرية تقودها كذلك، مبادئ عقلية منطقية خاصة منها: مبدأ السببية ومبدأ الحتمية، لكن أمام التحولات المعرفية والتي مست العلم ومختلف حيثياته، التي جعلت من الواقع في مفهومه العلمي شيئا أو جوهرا، بل تحول إلى شبكة من العلاقات الرياضية، إضافة فقدان المفهوم التقليدي للتجربة لخصائصه التقليدي، خصوصا أن بشلار يؤكد على أن المعرفة العلمية هي بمثابة وهم وخطأ تم إصلاحه، اذا كانت المعرفة وإشكالية المنهج ومعايير الصلاحية قد طرحت إشكاليات في العلوم الحقة، فان الإشكالية ستطرح بحدة أكبر في مجال العلوم الإنسانية.