في هذا الفيديو التوجيهي الهام، نضع بين أيدي تلميذاتنا وتلاميذنا دليلا عمليا متكاملا يساعدهم على فهم المهارات الأساسية التي ينبغي إتقانها في الكتابة الإنشائية لمادة الفلسفة، وذلك في أفق الاستعداد الجيد للاستحقاقات الإشهادية، وعلى رأسها الامتحان الوطني. إن مادة الفلسفة ليست مجرد محفوظات أو معارف نظرية تسترجع يوم الامتحان، بل هي تدريب على التفكير المنظم، وبناء المواقف، وتحليل المفاهيم، ومناقشة الأطروحات بروح نقدية متزنة. ومن هنا، فإن التحكم في منهجية الإنشاء الفلسفي يشكل مفتاح النجاح الحقيقي فيها.
نجيب في هذا الفيديو عن سؤال جوهري يتكرر كل موسم دراسي: ما هو الإنشاء الفلسفي؟ هل هو مجرد كتابة حرة؟ أم هو عرض لأفكار محفوظة؟ أم هو نقل لأقوال الفلاسفة؟ نوضح أن الإنشاء الفلسفي بناء فكري منظم، يقوم على مراحل مترابطة لا يمكن القفز على أي واحدة منها دون أن يختل توازنه. إنه مسار تفكير يبدأ بوعي دقيق بالإشكال، ويمر عبر تحليل متدرج لعناصره، لينتهي إلى مناقشة متوازنة تبرز قدرة المتعلم على الفهم والتركيب واتخاذ موقف معلل.
نخصص حيزا مهما للحديث عن المقدمة، باعتبارها الأساس الذي يبنى عليه المقال كله. فالمقدمة ليست زخرفة لغوية ولا استعراضا أسلوبيا، بل هي تمهيد فكري يهيئ القارئ لاكتشاف المفارقة أو التوتر الذي يبرر طرح الإشكال. نشرح كيف يمكن صياغة تمهيد ينبثق من صلب الموضوع، وكيف يفضي بشكل منطقي إلى سؤال إشكالي واضح ومحدد، دون إفراط في الأسئلة أو خروج عن السياق. كما ننبه إلى خطورة المقدمات الجاهزة والمستهلكة التي فقدت قيمتها، لأنها لا تعكس فهما حقيقيا للموضوع، بل تعطي انطباعا بالتكرار والآلية. ونؤكد أن أول انطباع يتشكل لدى المصحح قد يؤثر في نظرته إلى باقي الموضوع، لذلك فإن بناء مقدمة متماسكة ومبتكرة يعد خطوة استراتيجية في كسب ثقة القارئ منذ البداية.
بعد ذلك، ننتقل إلى صلب المقال: التحليل والمناقشة. نوضح أن التحليل في الفلسفة ليس مجرد شرح سطحي للأفكار، بل هو تفكيك منظم للعناصر المفهومية والحجاجية التي يتكون منها الموضوع. ونستحضر في هذا السياق تصور الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي جعل من التحليل قاعدة أساسية في منهجه، حين دعا إلى تقسيم المشكلات إلى عناصرها البسيطة قصد فهمها بشكل أدق. فالتحليل إذن يقتضي الوضوح، والترتيب، والانتقال المنطقي بين الأفكار، مع الحرص على عدم إهمال أي عنصر أساسي في الموضوع.
إن التحليل يعني تفسير الشيء بدلالة عناصر خارجية عنه، وهو ما يفتح المجال أمام المتعلم لتوسيع أفق فهمه، وعدم الاكتفاء بالمعطى المباشر. ومن هنا نشرح كيف يمكن للتلميذ أن ينتقل من مجرد عرض للأفكار إلى بناء تحليل حجاجي مترابط، يستند إلى مفاهيم واضحة وأمثلة دقيقة وإحالات فلسفية موظفة بشكل ملائم.
ولا نقف عند حدود التحليل، بل نبرز أهمية المناقشة باعتبارها لحظة نقدية في المقال الفلسفي. فالمناقشة ليست نقضا آليا لما تم تحليله، بل هي اختبار لمدى قوة الأطروحة وحدودها، عبر استحضار مواقف فلسفية أخرى، أو إبراز جوانب النقص أو إمكانات التكامل. هنا تتجلى شخصية المتعلم المفكر، القادر على المقارنة والموازنة والتركيب، بعيدا عن الأحكام الجاهزة أو المواقف الانفعالية.
كما نرصد في هذا الفيديو أبرز الأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثير من المتعلمين: من سوء فهم الموضوع، إلى الخلط بين التحليل والمناقشة، مرورا بالإطالة غير المبررة في المقدمة، أو طرح أسئلة لا يتم الجواب عنها، أو الاكتفاء بتعداد أفكار دون رابط منطقي. ونقدم بدائل عملية تساعد على تجاوز هذه التعثرات، عبر التدريب المنتظم، والقراءة الواعية للمواضيع، والحرص على تنظيم الأفكار قبل الشروع في الكتابة.
وسنكشف أيضا كيف يمكن للمتعلم أن يحول ورقة التحرير إلى بناء فكري متماسك، تتحقق فيه الوحدة والانسجام، بحيث تبدو أجزاؤه مترابطة لا مفككة، ومتدرجة لا عشوائية. فالمقال الجيد هو الذي يشعر قارئه بأن كل فقرة تمهد لما بعدها، وأن الخاتمة ليست تكرارا لما سبق، بل لحظة تركيب وتقييم تفتح أفق التفكير من جديد.
ولا يفوتنا في هذا السياق أن نوجه رسالة صادقة إلى الأساتذة الكرام، باعتبارهم شركاء أساسيين في هذه العملية التربوية. إن دعم المتعلمين في اكتساب منهجية سليمة للكتابة الفلسفية يتطلب مواكبة مستمرة، وتصحيحا موجها، وتغذية راجعة بناءة تساعد على التطور التدريجي. فالنجاح في الفلسفة لا يتحقق بالصدفة، ولا بالاعتماد على الحفظ، بل هو ثمرة تعاون حقيقي بين الأستاذ والتلميذ، يقوم على الثقة والمسؤولية المشتركة.
إن هذا الفيديو ليس وعدا بعلامة كاملة بقدر ما هو دعوة إلى العمل الجاد، وإلى الإيمان بأن التفوق ممكن لكل من امتلك أدواته، وفهم طبيعة الرهان. فإذا أحسن المتعلم قراءة الموضوع، وبنى مقدمته بوعي، وحلل عناصره بدقة، وناقش أطروحاته بروح نقدية متوازنة، فإنه يكون قد قطع نصف الطريق نحو النجاح.
ندعوكم إلى متابعة هذا الشرح بعناية، وتدوين الملاحظات الأساسية، والاشتغال على تطبيقها في تمارينكم وواجباتكم. فالفلسفة ليست مادة غامضة كما يعتقد البعض، بل هي تدريب على التفكير الواضح والمنظم. ومن يتقن منهجيتها، يكتسب مهارة تتجاوز حدود الامتحان، لتصبح أداة لفهم العالم وبناء المواقف في مختلف مجالات الحياة.

