من بين ما يسهم في تكريس هوية الأمم وبنائها، حرية التعبير والتسلح بالقلم من أجل إثبات الذات، ونحن أمام هذا الغزو الثقافي الغربي الذي بلغت شدته مبلغا ينخر الأمة ويعلن هزيمة الشعارات التي تنادي بصحوتنا ونهضتنا، لابد من وقفة صريحة لمراجعة الذات قصد تحديد مواطن ضعف الأمة ومصادر التهديد والخطر التي جعلتها ممزقة منهكة ومنتهكة.

إن الكتابة لغرض تبيان الحقيقة والكشف عن المستور والتصدي إلى التحديات التي تنخر مجتمعاتنا من كل جانب، باتت شرطا أساسا لإيقاظ الهمم، لأن الكتابة في الأصل رسالة تصحيحية لجميع أشكال التذبذب والضعف ، بشرط أن تكون وفية للحرف الذي به يهتدي الناس، وتقدم بدائل فكرية تتصدى للخطط الأجنبية وتكشف عنها، وتروج لأنوار حقيقية تشمل شتى الميادين وخاضعة لحكم عقلي رزين.
إن حرية الكتابة أساسها حرية الفكر المبدع الذي يتطلع نحو السمو بالعقل وجعله ينفلت من سلطة الرقابة والوصاية، ويسهم في تكريس صورة فكرية ذات حمولات قيمية تعبر عن شخصيتنا وصلابة ثقافتنا الحقيقة الأصيلة، وتجنبنا أزمة التقليد والترديد لقيم دخيلة تسللت إلى نسيج ثقافتنا جعلتنا في غابة بدون إشارات ولا علامات .
لهذا فمن اللازم على رجال الفكر في أمتنا تسخير أقلامهم لنهضة الأمة، وتأكيد مسؤوليتهم بالكلمة الهادفة لحماية ثقافتنا من الأفكار الهدامة والمسيئة أيضا، وألا يكونوا خارج الميدان، مصيرنا ومستقبلنا بين أيدي غيرنا. وكذا إحياء الفكر في أمتنا لأنه خدمة جليلة ترسم لنا إشاراتنا و علاماتنا وتنقدنا من التيه وتحفزنا على تجميع أفكارنا بدل تشتيتها بمقارعات خاوية جوفاء تكرس حسرتنا الدائمة على ضياع هويتنا بسبب اختلافنا، رغم أن الاختلاف هو ثقافة تنويرية يؤدي بأصحابه إلى الائتلاف الحقيقي البناء، وليس كما نفهم نحن ونمارس الاختلاف، باعتباره وسيلة للفرقة والتنافر.